U3F1ZWV6ZTQ0NTExNDY1MTQ3X0FjdGl2YXRpb241MDQyNTM0ODY4MzY=
recent
أخبار ساخنة

معركة عين جالوت - الجزء الأول

معركة عين جالوت واحدة من أعظم المعارك الكبري في التاريخ، نظراً لأهميتها للعالمين الإسلامي والمسيحي علي حدِ  سواء، حيث أنها قضت علي الخطر التتري الذي أجتاح العالم بأكمله، جارفاً في طريقه كل معالم الحضارة التي أُكتُسبت علي مر العصور.


معركة عين جالوت - الجزء الأول

مصر قبل عين جالوت

تولي المنصور نور الدين علي حكم مصر وهو في الخامسة عشر من عمره بعد مقتل أبيه الملك المعز عز الدين أيبك، ونظراً لصغر سنه فكان يحكم تحت وصاية سيف الدين قطز زعيم المماليك المعزّية وأكبرهم مرتبةً ومكانة وأكثرهم مهابة.

ولقد أعتلي المنصور نور الدين علي حكم مصر في ظل ظروف عصيبة علي مصر والمنطقة العربية بأكملها، فكانت الأحوال الإقتصادية والسياسية داخل البلاد مضطربة، نظراً لطمع الأيوبيين في إستعادة حكم مصر، حيث شنّ الأمير المغيث فتح الدين عمر الأيوبي حاكم الكرك حربين ضد مصر لكن قطز تصدي له وهزمه شر هزيمة.

أما الأحداث في بلاد العراق والشام كانت تتوالي بسرعة رهيبة، حيث سقطت بغداد في يد التتار وأنتهت الخلافة العباسية، وأصبح العالم الإسلامي بلا خليفة، ثم تساقطت المدن الشامية الواحدة تلو الأخري، وعندما بلغ المنصور عامه السابع عشر سقطت غزة في يد التتار وأصبحوا علي مشارف مصر.

قطز حاكماً علي مصر

في ظل تلك التطورات المفجعة التي شهدتها المنطقة العربية علي يد التتار في أقل من سنتين، ووقوفهم علي مشارف مصر، أصبح الأمر خطيراً حيث أصبحت مصر هي أخر قوة إسلامية في وجه التتار، وأدرك قطز بأن مصر هي وجهة التتار التالية، ولذلك أقدم علي عزل المنصور نور الدين علي وتولي الحكم بدلاً منه.

أول ما فعله قطز بعد إعتلائه عرش مصر قام بجمع أمراء المماليك والفقهاء والعلماء، وأخبرهم بأنه لم يعتلي عرش مصر طمعاً وإنما لمحاربة التتار، وسوف يتنازل عن العرش بعد الإنتصار علي التتار، وطلب منهم الإلتفاف حوله ورفع راية الجهاد.

توحيد قطز للصف الإسلامي

بدأ قطز بترتيب الوضع الداخلي للبلاد إستعداداً لملاقاة التتار، فأصدر عفواً حقيقياً علي جميع أمراء المماليك البحرية الهاربين بعد مقتل فارس الدين أقطاي ودعاهم للإنضمام إليه، وأرسل بنفسه دعوة إلي الأمير ركن الدين بيبرس في فلسطين وولّاه قيادة الجيش، ونجح في أن يجمع بين المماليك المعزّية والمماليك البحرية وإذابة الخلافات بينهما.

أراد قطز بأن يوحّد الصف الإسلامي، فأرسل إلي الأمراء الأيوبيين في الشام يدعوهم بالإتحاد معه في وجه التتار، فمنهم من لبّي دعوته ومنهم من رفضها، وكان من بين الرافضين الأمير الناصر يوسف إلا أن جيشه الذي فرّ من دمشق دون قتال التتار أتجه إلي مصر وأنضم لقطز، وبذلك عمل قطز علي جمع المسلمين تحت رايته.

رسالة المغول إلي قطز 

بعد مرور شهور قليلة من جلوس قطز علي عرش مصر، والعمل الداؤوب علي توحيد المسلمين وتجهيز الجيش، لم تمهله أبواق الحرب لينهي إستعداداته، فلقد جاءه رسل التتار يحملون إليه رسالة تقطّر وعيداً وتهديداً، وكانت الرسالة كما ذكرها المقريزي في كتابه " السلوك لمعرفة دول الملوك" هي
( من ملك الملوك شرقاً وغرباً الخان الأعظم : بأسمك اللهم باسط الأرض ورافع السماء يعلم الملك المظفر قطز الذي هو من جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا إلي هذا الأقليم، يتنعمون بأنعامه ويقتلون من كان بسلطانه بعد ذلك، يعلم الملك المظفر قطز وسائر أمراء دولته وأهل مملكته بالديار المصرية وما حولها من الأعمال، إن نحن جند الله في أرضه خلقنا من سخطه وسلّطنا علي من حلّ به غضبه.

 فلكم بجميع البلاد مُعتبر وعن عزمنا مزدجر، فأتعّظوا بغيركم وأسلموا لنا أمركم. قبل أن ينكشف الغطاء، فتندموا ويعود عليكم الخطأ، فنحن ما نرحم من بكي ولا نرقّ لمن شكر، وقد سمعتم أننا قد فتحنا البلاد، وطهّرنا الأرض من الفساد، وقتلنا معظم العباد، فعليكم بالهرب، وعلينا الطلب، فأي أرض تؤويكم، وأي طريق تنجيكم، وأي بلاد تحميكم.

 فما لكم من سيوفنا خلاص، ولا من مهابتنا مناص، فخيولنا سوابق، وسهامنا خوارق، وسيوفنا صواعق، وقلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال، فالحصون عندنا لا تمنع، والعساكر لقتلنا لا تنفع، ودعائكم علينا لا يُسمع ، فأنكم أكلتم الحرام ولا تعفّون عند كلام، وخنتم العهود والإيمان، وفشا فيكم العقوق والعصيان، فأبشروا بالمذلّة والهوان، فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون.

فمن طلب حربنا ندم، ومن قصد أماننا سلم، فإن أنتم لشرطنا وأمرنا أطعتم، فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن خالفتم هُلكتم، فلا تهلكوا نفوسكم بأيديكم، فقد حذّر من أنظر وقد ثبت عندكم أنّا نحن الكفرة، وقد ثبت عندنا أنكم الفجرة، وقد سلّطنا عليكم من له الأمور المقدّرة والأحكام المدبّرة فكبيركم عندنا قليل وعزيزكم عندنا ذليل، فلا تطيلوا الخطاب، وأسرعوا برد الجواب، قبل أن تضرم الحرب نارها وترمي نحوكم شرارها، فلا تجدون منّا جاهاً ولا عزّاً، ولا كافيا و لا حرزاً، وتدهون منّا بأعظم داهية، وتُصبح بلادكم منكم خالية، فقد أنصفناكم إذ راسلناكم، وأيقظناكم إذ حذّرناكم، فما بقي لنا مقصد سواكم، والسلام علينا وعليكم وعلي من أطاع الهدي، وخشي عواقب الردي، وأطاع الملك الأعلي )

معركة عين جالوت - الجزء الأول


ربط الله علي قلب قطز وهو يقرأ تلك الرسالة المفزعة التي تنخلع من وعيدها القلوب، وكان ردّه عليها :
قل: اللهم على كل شيء قدير والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمّي، على كتاب ورد فجراً عن الحضرة الخاقانية، والسدّة السلطانية نصر الله أسدها، وجعل الصحيح مقبولاً عندها، وبان أنكم مخلوقون من سخطه، مسلّطون على من حلّ عليه غضبه، ولا ترقون لشاكٍ، ولا ترحمون عبرة باكٍ، وقد نزع الله الرحمة من قلوبكم، وذلك من أكبر عيوبكم، فهذه صفات الشياطين، لا صفات السلاطين، كفى بهذه الشهادة لكم واعظاً، وبما وصفّتم به أنفسكم ناهياً وآمراً.

 قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ففي كل كتاب لعنتم، وبكل قبيح وصفتم، وعلى لسان كل رسول ذكرتم، وعندنا خبركم من حيث خلقتم وأنتم الكفرة كما زعمتم ألا لعنة الله على الكافرين، وقلتم أننا أظهرنا الفساد؛ ولا عَز من أنصار فرعون من تمسك بالفروع ولا يبالي بالأصول، ونحن المؤمنون حقاً لا يداخلنا عيب، ولا يصدّنا غيب، القرآن علينا نزل وهو رحيم بنا لم يزل، تحققنا تنزيله وعرفنا تأويله، إنما النار لكم خلقت، ولجلودكم أضرمت، إذا السماء أنفطرت. ومن أعجب العجب تهديد الليوث بالرتوت، والسباع بالضباع، والكمأة بالكراع.

خيولنا برقيه، وسهامنا يمانية، وسيوفنا مضريه، وأكتافها شديدة المضارب، ووصفها في المشارق والمغارب، فرساننا ليوث إذا ركبت، وأفراسنا لواحق إذا طلبت، سيوفنا قواطع إذا ضربت، وليوثنا سواحق إذا نزلت، جلودنا دروعنا وجواشننا صدورنا، لا يصدع قلوبنا شديد، وجمعنا لا يراع بتهديد، بقوة العزيز الحميد، اللطيف لا يهولنا تخويف، ولا يزعجنا ترجيف، إن عصيناكم فتلك طاعة، وإن قتلناكم فنعم البضاعة، وان قُتلنا فبيننا وبين الجنة ساعة.

قلتم قلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال؛ فالقضاء لا يهوله كثرة الغنم، وكثرة الحطب يكفيه قليل الضرم، أفيكون من الموت فرارنا وعلى الذل قرارنا ؟ ألا ساء ما يحكمون، الفرار من الدنايا لا من المنايا، فهجوم المنية عندنا غاية الأمنية، إن عشنا فسعيداً، وإن متنا فشهيداً، ألا إن حزب الله هم الغالبون، أبعد أمير المِؤمنين وخليفة رسول رب العالمين تطلبون منا الطاعة ؟ لا سمعاً لكم ولا طاعة ، تطلبون أنا نسلّم إليكم أمرنا، قبل أن ينكشف الغطاء ويدخل علينا منكم الخطاء.

هذا كلام في نظمه تركيك وفي سلكه تسليك، ولو كشف الغطاء ونزل القضاء، لبان من أخطأ، أكفر بعد الإيمان ونقض بعد التبيان ؟ قولوا لكاتبكم الذي رصف مقالته، وفخّم رسالته، ما قصّرت بما قصدت، وأوجزت وبالغت، والله ما كان عندنا كتابك إلا كصرير باب، أو طنين ذباب، قد عرفنا إظهار بلاغتك، وإعلان فصاحتك، وما أنت إلا كما قال القائل: حفظت شيئا وغابت عنك أشياء .

كتبتَ : سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، لك هذا الخطاب، وسيأتيك الملك الناصر وبكتمر وعلاء الدين القيمري وساير أمراء الشام ينفرون الإيصال إلى جهنم وبئس المهاد، وضرب اللمم بالصماصم الحداد، وقل لهم : إذا كان لكم سماحة، ولديكم هذه الفصاحة؛ فما الحاجة إلى قراءة آيات وتلفيق حكايات، وتصنيف المكاتبات، وها نحن أولاء في أواخر صفر موعدنا الرَسْتَن وألا تعدنا مكان السلم، وقد قلنا ما حضر والسلام )
ثم قام قطز بعد ذلك بقتل الرسل ليسد أي باب للرجعة عن هذه الحرب، 


تجهيز الجيش

كانت حالة مصر الإقتصادية فى غاية السوء، مما أضّطر قطز فى إستشارة الشيخ العز بن عبدالسلام المُلقّب بسلطان العلماء على فرض الضرائب من أجل تجهيز الجيش، وأفتى الشيخ العز ابن عبدالسلام بفرض الضرائب من أجل الجهاد، لكنّ فتواه اشتُرِطت بشرطين:
الأول بأن لا يتبقى فى بيت مال المسلمين شيئاً من أموال هذه الضرائب وأن تُنفق جميعها على الجيش، أما الشرط الثانى وهو الأشد جرأة بأن يبيع أمراء المماليك كل ممتلكاتهم أيضاً من أجل تجهيز الجيش.

وافق قطز على الفور بفتوى الشيخ العز ابن عبدالسلام، وبدأ بنفسه فى بيع ممتلكاته ولم يَبق منها سوى على حصانه وسيفه، ثم بدأ يعد العدة لملاقاة التتار، وخطب فى الناس خطبة عظيمة حثّهم فيها على الجهاد فى سبيل الله، فأنتفض الأمراء والوزراء والشعب طالبين الجهاد وبذل أرواحهم دفاعاً عن الإسلام.


المراجع





ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة