U3F1ZWV6ZTQ0NTExNDY1MTQ3X0FjdGl2YXRpb241MDQyNTM0ODY4MzY=
recent
أخبار ساخنة

فتنة خلق القرآن ومحنة الإمام أحمد بن حنبل

فتنة خلق القرآن من أشد الفتن التي وقعت في التاريخ الإسلامي، وتزامنت الفتنة مع عهود ثلاث خلفاء عباسيين، وهم المأمون وأخيه المعتصم والواثق بن المعتصم، ولم يصمد أمام هذه الفتنة من علماء وأئمة المسلمين سوي الإمام أحمد بن حنبل وحده، حتي فرّج الله الكربة وأزال المحنة مع تولّي المتوكل الخلافة.

فتنة خلق القرآن ومحنة الإمام أحمد بن حنبل


الإمام أحمد بن حنبل

هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل إمام أهل السنّة والجماعة، وأحد الأئمة الأربعة صاحب المذهب الحنبلي في الفقه الإسلامي، عُرِفَ بالتقوي والورع والصفات الحميدة.

ذهب فريق بأن الإمام أحمد بن حنبل وُلِد في بغداد، بينما فريق أخر قال بأن الإمام وُلِد في مرو بخراسان، ومازالت هذه المسألة محل شك، لكن الإمام بن حنبل أنتقل إلي بغداد التي كانت حاضرة الثقافة في العالم آنذاك، ونُشِأ فيها يتيماً وشجّعه أهله علي طلب العلم وتحصيل المعرفة وخاصة أنه تميّز بالذكاء الشديد والحفظ القوى، وأخذ بن حنبل يلتهم من علم الحديث وسعي وراءه ليحصله وتتلمذ علي يد كبار الشيوخ والعلماء.

أصبح للإمام أحمد بن حنبل حلقة للتدريس والإفتاء، وأجتمع الناس علي درسه بالألاف، وأشتهر الإمام أحمد بصبره علي المحنة التي عُرِفت بفتنة خلق القرآن.

بداية فتنة خلق القرآن

تولّي المأمون الخلافة العباسية بعد أخيه الأمين، وكان محباً للعلوم العقلية وكلام الفلاسفة الأوائل، مما فتح الطريق لخروج شيوخ الضلال والبدع من جحورهم والإنسلال إلي بلاطه، أمثال بشر المريسي وأحمد بن أبى دؤاد رأس الفتنة وهم من كبار شيوخ المعتزلة، وأنخرطوا في بطانة المأمون وبدأوا يبثون أفكارهم السامة وعقيدتهم المزيّفة الضالة حتي آمن بها المأمون واعتنق مذهب المعتزلة.

فتنة خلق القرآن ومحنة الإمام أحمد بن حنبل

بدأ أحمد بن أبى دؤاد يبث فكره الشيطاني بمسألة خلق القرآن وأنه ليس كلام الله في رأس المأمون حتي آمن بها، لكن المأمون لم يجهر بهذه المسألة في بادئ الأمر خشيةً من كبار شيوخ وعلماء أهل السنّة الذين كان يكن لهم التقدير، وتأثيرهم الديني القوى على العامة.

حرّض ابن أبى دؤاد الخليفة المامون على الجهر بمسألة خلق القرآن، مدّعياً بان هؤلاء الشيوخ على ضلال وبدعة، وأن الخليفة هو صاحب الكلمة العليا فى بلاد المسلمين، وأنحرف المأمون وراء هذا المضل فبدأ يجبر العلماء والناس على القول بخلق القرآن، فأستخدم التهديد والوعيد والترهيب.

أشتد على الناس كرب هذه المحنة وصارت الفتنة في كل الأرجاء، وحُمِّل الشيوخ والعلماء على القول بها، ومن يعترض يتم عزله من منصبه بل بلغ الأمر إلي السجن والضرب.

لم يصمد أمام هذه الفتنة إلا القليل من العلماء، فأرسل المأمون والذي كان فى طرسوس إلي واليه فى بغداد إسحاق بن إبراهيم يأمره بأن يقبض على المعارضين من الشيوخ وإجبارهم على القول بخلق القرآن، وفعل إسحاق ما أمره به الخليفة وكان من بين هؤلاء الشيوخ الإمام أحمد بن حنبل.

وقع الشيوخ فى الفتنة ونادوا بقول خلق القرآن خشية السجن والتعذيب، ولم يثبت منهم سوى الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح، فطلب المأمون بإرسالهما إليه وتوعّد بقتلهما، وفى الطريق إلى طرسوس وأثناء إستراحة الركب من عناء السفر، أتى الإمام احمد رجلاً من بادية العراق وقال له (يا أحمد أن يقتلك الحق متّ شهيداً، وإن عشت عشت حميداً، وما عليك أن تُقتل ها هنا وتدخل الجنة)، فقوى قلب الإمام أحمد بهذه الكلمات.

دعا الإمام أحمد ربه طوال سفره بأن لا يقابل المأمون، وعندما وصلوا إلي مقر الخليفة في طرسوس سمعوا صياحاً وضجّة داخل القصر، فلقد مات المأمون قبل أن يلتقى بالإمام احمد وصاحبه محمد بن نوح، حيث كفاهما الله شر المأمون وعادا إلى سجن بغداد.

إستمرار الفتنة فى خلافة المعتصم

تولّى المعتصم الخلافة العباسية بعد أخيه المأمون، كما ورث عنه أيضاً المناداة بخلق القرآن، فأستمرت الفتنة وأصبحت أشد قسوة مما كانت عليه من قبل، حتى مات محمد بن نوح فى سجنه من شدّة التعذيب، ولم يتبق فى مواجهة هذه المحنة سوى الإمام أحمد بن حنبل وحده.

أخذ شيوخ المعتزلة يتناوبون على الإمام أحمد بن حنبل فى سجنه يناظرونه فى مسألة خلق القرآن، وكان الإمام يرد كيدهم بحجته القوية، حتى أتى يوم أُقيمت فيه مناظرة علنية بينه وبينهم، حضرها المعتصم وكبار رجال دولته وجلّادوه وشيوخ المعتزلة.

فتنة خلق القرآن ومحنة الإمام أحمد بن حنبل

دخل الإمام أحمد عليهم، وبدأ المعتصم بالحديث يرغّب الإمام الذى ظل ثابتاً على موقفه، ثم بدأت المناظرة والإمام أحمد يرد بآيات القرآن والأحاديث النبوية، وشيوخ المعتزلة يتساقطون من حوله الواحد تلو الآخر لم يجدوا ما يعضّد حجتهم، حتى ضجر المعتصم صارخاً فى الإمام أحمد : ألم تتراجع عن قولك؟، فيرد الإمام بثقة : أعطنى شيئاً من القرآن والسنّة يثبت حجتك.

أوغر بن أبى دؤاد صدر الخليفة تجاه احمد بن حنبل، حتى أمر المعتصم جلّادوه بضرب الإمام أحمد، وتحمّل بن حنبل شدة السياط على ظهره ثابتاً على موقفه مما جعل الخليفة ينزل ويضربه بنفسه، وهو يقول له : ويحك يا أحمد ماذا تقول؟ فيرد عليه الإمام بمنتهى الثبات: أعطنى شيئاً من القرآن والسنّة أقول به.

أمر الخليفة بمواصلة ضرب الإمام أحمد حتى أُغمى عليه من شدة الضرب، مما أضطر الخليفة بالإفراج عنه بعد ان سأم منه، وعاد الإمام أحمد إلى بيته بعد 28 شهراً قضاها الإمام فى السجن والتعذيب، ضارباً أكبر المثل فى شدة الثبات والتمسك بالعقيدة.

ظل الإمام أحمد يُعالج فى بيته حتى تماثل للشفاء، وبدأ يخرج إلى صلاة الجمعة وحلقات دروسه حتى مات المعتصم وتولّى أبنه الواثق الخلافة.

فتنة خلق القرآن فى عهد الواثق

تربّي الواثق على يد أحمد بن أبي دؤاد وشرب البدعة من صغره، فأشدّت فتنة خلق القرآن فى عهده، وحمل الناس عليها بالقوة، وتسلّط المعتزلة على الناس، وأطلق يد أحمد بن أبي دؤاد فى نشر هذه الفتنة، حتى أمر المعلمين بتعليم الأطفال هذه البدعة الخبيثة، وبلغ الأمر ذروته عندما رفض فك أسرى المسلمين  الذين رفضوا الفكرة عند الروم، فضاقت نفوس الناس وخرج البعض عليه.


تمكّن الواثق من قمع الخارجين عليه، وراح الكثير ضحية ذلك، ولم يسلم الإمام أحمد بن حنبل حيث تسلّط الواثق عليه وامر بنفيه من بغداد، فأختبأ الإمام أحمد عند أحد تلاميذه وظل يتنقّل من مكان إلى أخر بعيداً عن اعين الواثق حتى هلك الواثق ومات.

المتوكل وأنفراج الغمة

أنفرجت الغمة بإعتلاء المتوكل عرش الخلافة العباسية خلفاً لأخيه الواثق، وكان من أهل السنّة، فقضي على بدعة خلق القرآن ونادي بإظهار السنّة فى جميع أرجاء البلاد.

بدأ الإمام أحمد يعود لحلقة دروسه من جديد وقد علا شأنه بين الخلق، إلا أنه واجه فتنة جديدة ولكنها كانت من النوع الحميد، فلقد بذل المتوكل محاولات عديدة لتقريب الإمام احمد إليه، وإغداق العطايا الجزيلة عليه، إلا أن الإمام أحمد كان يرفض بشدة وإن أضطُر لأخذ شئ وزّعه على الفقراء،ولقد عانى الإمام لرفضه عطايا الخليفة معاناة شديدة، لكنه ثبت أيضاً على موقفه بالرغم من لوم العلماء والشيوخ له، وظل الإمام يعطى دروسه فى الناس حتى توفّاه الله.

وهكذا أنتهت أشد المحن التى واجهها المسلمين فى عقيدتهم على مر التاريخ الإسلامى، فلولا ثبات الإمام أحمد بن حنبل لضلّ كثيراً من الخلق ولكفر الكثير، لكنه تحمّل تسلّط ثلاث من خلفاء العباسيين، برجالهم ووزرائهم وجنودهم، ليبقى للإسلام رجالاً يرفعون رايته.



المراجع




ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة